الشيخ محمد علي الأراكي
109
أصول الفقه
وحينئذ نقول إطلاق مادّة « أنقذ » يدلّ على وجود مقتضي المطلوبيّة في نفس إنقاذ الغريق ولو في المورد الذي لا يحسن التكليف والإلزام به ، لأجل عدم قدرة المكلّف ، وبعد هذا فيحصل لنا مقتضيان للطلب متزاحمان لا يمكن الجمع بينهما ، فيتمحّض الحكم حينئذ للعقل بعد انقطاع اليد عن ظهور اللفظ ، فإن كان أحد الغريقين فيه جهة أهميّة بنظر الشارع كالعالميّة أو الهاشميّة ونحو ذلك نحكم بتعيّن اختياره وتقديمه على الآخر ، لوضوح أنّ الغرض الأقوى أولى بالإدراك والأضعف بالفوت عند الدوران بينهما . وإن لم يكن في أحدهما جهة مزيّة كانت مرجّحة له بنظر الشرع ، فالعقل يستقلّ بوجوب المبادرة إلى درك أحدهما مخيّرا في التعيين بينهما وعدم جواز تفويت كليهما ، لوضوح أنّ رفع اليد عن الغرضين المستقلّين كليهما بمحض عدم إمكان الجمع بينهما لا يرتضيه عاقل ، فكيف بالشارع الحكيم ، فالعبد يقطع بعد ملاحظة ذلك بأنّ لفظ المولى وإن كان قاصرا عن شمول شيء من الأمرين ، ولكن نفسه غير راض بإهمال الجميع ؛ إذ فيه تفويت الغرض منه بلا جهة بحيث لو كان المولى الظاهري حاضرا لأمر بدرك أحدهما على التخيير ، فلهذا يكون العقل باعثا ومحرّكا إلى درك الأحد التخييري ، فالتخيير حكم استقلّ به العقل من دون دخل للشرع فيه ، ولكن بعد حفظ مقدّمة من ظهور اللفظ وهو تماميّة الاقتضاء في كلّ من الأمور كما فرضنا استفادته من إطلاق المادّة . وبالجملة فنقول في المقام بعد حفظ هذه المقدّمة اللفظيّة التي هي مسلّمة ، ضرورة أنّ قوله : كلّ مشكوك مباح له ظهور في أنّ نفس الشكّ له اقتضاء الإباحة ويكون الحكم بالإباحة من جهة اقتضاء الشكّ إيّاها ، لا من جهة اللااقتضاء كما في إباحة بعض الأشياء : بأنّ إجراء كلّ من هذين المقتضيين على اقتضائهما إذا لم يمكن عقلا فلا وجه لإهمال الجميع ، بل اللازم إعمال هذا الاقتضاء في أحدهما تخييرا بمقتضى المقدّمة العقليّة من أنّه إذا لم يمكن الجمع بين الغرضين فلا وجه لرفع اليد عن الجميع ، فبظهور اللفظ أعني إطلاق المادّة يتحقّق موضوع هذه